محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وسلم وأمته فلم يكن المتعبدون بإقامته يجدون لرضا اللّه تعالى ذكره مطلبا ينالون به الجنة ويستوجبون منه القربة الا من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابهم وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب وخص اللّه نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وأمته بان أنزل عليهم كتابه على أوجه سبعة من الوجوه التي ينالون بها رضوان اللّه ويدركون بها الفوز بالجنة إذا أقاموها فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الذي نزل منه القرآن لان العامل بكل وجه من أوجهه السبعة عامل في باب من أبواب الجنة وطالب من قبله الفوز بها والعمل بما أمر اللّه جل ذكره في كتابه باب من أبواب الجنة وترك ما نهى اللّه عنه فيه باب آخر ثان من أبوابها وتحليل ما أحل اللّه فيه باب ثالث من أبوابها وتحريم ما حرم اللّه فيه باب رابع من أبوابها والايمان بمحكمه المبين باب خامس من أبوابها والتسليم لمتشابهه الذي استأثر اللّه بعلمه وحجب علمه عن خلقه والإقرار بان كل ذلك من عند ربه باب سادس من أبوابها والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته باب سابع من أبوابها فجميع ما في القرآن من حروفه السبعة وأبوابه السبعة التي نزل منها جعله اللّه لعباده إلى رضوانه هاديا ولهم إلى الجنة قائدا فذلك معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم في القرآن ان لكل حرف منه حدا يعنى لكل وجه من أوجهه السبعة حدّ حده اللّه جل ثناؤه لا يجوز لاحد أن يتجاوزه وقوله صلى اللّه عليه وسلم وان لكل حرف منها ظهرا وبطنا فظهره الظاهر في التلاوة وبطنه ما بطن من تأويله وقوله وان لكل حد من ذلك مطلعا فإنه يعنى أن لكل حد من حدود اللّه التي حدها فيه من حلال وحرام وسائر شرائعه مقدارا من ثواب اللّه وعقابه يعاينه في الآخرة ويطلع عليه ويلاقيه في القيامة كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع يعنى بذلك ما يطلع عليه ويهجم عليه من أمر اللّه بعد وفاته القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن قال أبو جعفر قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربى وأنه نزّل بألسن بعض العرب دون ألسن جميعها وان قراءة المسلمين اليوم ومصاحفهم التي هي بين أظهرهم ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها وقلنا في البيان عما يحويه القرآن من النور والبرهان والحكمة والبيان التي أودعها اللّه إياه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه ووعده ووعيده ومحكمه ومتشابهه ولطائف حكمه ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه ونحن قائلون في البيان عن وجوه مطالب تأويله قال اللّه جل ذكره وتقدست أسماؤه لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون وقال أيضا جل ذكره وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقال هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا أولو الألباب فقد تبين ببيان اللّه جل ذكره أن مما أنزل اللّه من القرآن على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ما لا يوصل إلى علم تأويله الا ببيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره واجبه وندبه وإرشاده وصنوف نهيه ووظائف حقوقه وحدوده